محمد بن عمر التونسي

118

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

القامة ، شديد السواد ، قد وخطه الشيب ، أبحّ الصوت ، شديد الغضب ، سريع الرضا ، ذا تدبير حسن . فمن حسن تدبيره أنه لمّا دخلت الفرانساويّة مصر ، وهرب الغزّ عنها ، توجّه إلى دارفور منهم كاشف يسمّى : زوانة كاشف . قيل إنه من مماليك مراد بيك ، أو هو أحد كشّاف الألفى ، ومعه أكثر من عشرة مماليك ، ومعه أمتعة زائدة ، وجمال وخدم وطبّاخ وفرّاش وسيّاس . وأخذ معه مدفعا وهاون بنب . فحين حلّ بدارفور ، أكرمه السلطان عبد الرحمن ، وأحسن ملقاه ، وأنزله نزلا حسنا ، وأجرى عليه من الأرزاق شيئا كثيرا ، حتى صار لا يعرف رقيقه لكثرته . ثم طلب من السلطان أن يبنى بيتا كبيوت مصر ، فأذن له في ذلك . فضرب الآجرّ ، واستخدم العبيد في قطع الأحجار ، وصنع بيتا ( 112 ) جميلا ، وسوّره بسور ، وجعل السّور عريضا ، وجعل فيه مزغلتين « 1 » مقابلتين لبيت السلطان ، يضع في إحداهما المدفع ، وفي الأخرى هاون البنب . وكان محلّ هذا البيت أعلى من محلّ بيت السلطان ، بحيث كان يرى السلطان حين يدخل وحين يخرج . فسوّلت له نفسه أن يقتل السلطان ، ويملك البلد ، بأن يرصده « 2 » وهو داخل أو خارج ، ويطلق عليه مدفعا يهلكه به . لكن خاف إن قتل السلطان لا يطيعوه « 3 » أهل المملكة ، وأرباب الدولة . فاحتال أن اجتمع بالفقيه الطّيّب ود مصطفى ، وكان هذا الفقيه وزير السلطان تيراب وصهره ، أعنى أن السلطان

--> ( 1 ) المزغلة : فرجة في الحائط . ( 2 ) في الأصل : يرصد . ( 3 ) في الأصل : يطعوه .